الجاحظ

17

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ولهذه العلة قتل خالد بن سعيد بن العاصي ، حين غشيه العدو وأراد الركوب ولم يجد من يحمله . ولذلك قال عمر حين رأى المهاجرين والأنصار قد أخصبوا ، وهمّ كثير منهم بمقاربة عيش العجم : « تمعددوا واخشوشنوا « 1 » ، واقطعوا الركب ، وانزوا على الخيل نزوا » . وقال : « احفوا وانتعلوا ، إنكم لا تدرون متى تكون الجفلة « 2 » » . وكانت العرب لا تدع اتخاذ الركاب للرحل فكيف تدع الركاب للسرج ؟ ! ولكنهم كانوا وإن اتخذوا الركب فإنهم كانوا لا يستعملونها إلا عندما لا بد منه ، كراهة أن يتّكلوا على بعض ما يورثهم الاسترخاء والتفنخ « 3 » ويضاهوا أصحاب الترفة والنعمة « 4 » . قال الأصمعي : قال العمري : كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى . ثم يجمع جراميزه ويثب ، فكأنما خلق على ظهر فرسه . وفعل مثل ذلك الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو يومئذ وليّ عهد هشام ، ثم أقبل على مسلمة بن هشام فقال له : أبوك يحسن مثل هذا ؟ فقال مسلمة : لأبي مائة عبد يحسنون مثل هذا . فقال الناس : لم ينصفه في الجواب . وزعم رجال من مشيختنا أنه لم يقم أحد من ولد العباس بالملك إلا وهو جامع لأسباب الفروسية . وأما ما ذكروا من شأن رماح العرب فليس الأمر في ذلك على ما يتوهمون . للرماح طبقات : فمنها النيزك « 5 » ، ومنها المربوع ، ومنها المخموس « 6 » ، ومنها التام ، ومنها الخطل وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لأفراط طوله . فإذا أراد الرجل أن يخبر عن شدة أمر صاحبه ذكره ، كما ذكر متمّم بن نويرة أخاه

--> ( 1 ) تمعدوا : كانوا أهل قشف وشظف . ( 2 ) الجفلة : الانزعاج ، الشدود . ( 3 ) التفنخ : القهر والاذلال . ( 4 ) الترفة : الترف ، النعمة . ( 5 ) النيزك : الرمح القصير . ( 6 ) المربوع : طوله أربع أذرع . المخموس : طوله خمس أذرع .